العناية الالهية في تعمير الدير

 " الآن عيناى تكونان مفتوحتين وأذناى مصغيتين إلى صلاة هذا المكان والآن قد اخترت وقدست هذا البيت ليكون اسمى فيه إلى الأبد وتكون عيناى وقلبي هناك كل الأيام “ (أخبار أيام ثاني 7 : 15، 16).

نعم يارب هذا كان وعدك وهذه كلمتك وإن كانت هنا من أجل الهيكل الذي بناه سليمان إلا أن كلمتك لا ترجع فارغة أبداً بل يسري كلامك على كل مكان ذُكر فيه إسمك القدوس كم بالأولى المكان الذي وطأته قدماك.. وقضيت فيه فترة من عمرك على الأرض أليس من الأجدر والأولى أن تفي فيه بوعدك وتحافظ عليه ككلامك وهذا ليس غريباً فما تم هنا في دير المحرق يظهر بأجلى صورة عناية الله الفائقة وحفظه له. فمنذ أن حلت فيه العائلة المقدسة وعجائب الرب لا تنتهي فيه ومنذ أن صدر الأمر إلى البابا ثيؤفيلس لتعمير الدير ويد الرب حافظة له وللعاملين فيه. وتطالعنا المخطوطات الحبشية بكثير من هذه العجايب التي ظهرت بوضوح في وقت تعمير الدير في القرن الرابع الميلادي ليس في ذلك الوقت فقط بل على مر الأيام ومنها ما يأتي:

عند بدء تعمير الدير هرع الأهالي من كل مكان ليشتركوا في تعمير الدير متبرعين بذلك بدون أجر لا يطلبوا سوى بركة السيدة العذراء أم النور وشفاعتها.

ومن بين هؤلاء الأهالي تقدم شاب له من العمر 25 عاماً ابن لأرملة فقيرة من بلدة القوصية يسمى غبريال. جاء للعمل ضمن من تقدموا للعمل في تعمير الدير متشفعاً بالعذراء أم النور أن تخلصه هو ووالدته من الفقر المدقع الذي يعيشون فيه.

وفي أحد الأيام أُرسل هذا الشاب ليحضر ماء من نهر النيل لأن مياه الآبار الموجودة حول قسقام كانت غير صالحة للشرب.

وفي الطريق قابله بعض الفرسان السكارى وقد أفقدتهم الخمر وعيهم حتى أنهم إصطدموا أثناء سيرهم بأحد الجدران فلما شاهدهم الشاب إرتبك ووقع في بئر جاف خالي من المياه ومات ومضت فتره طويلة من الزمن ولم يرجع الشاب فانزعجت أمه لغيابه وخرجت لتبحث عنه وأثناء خروجها للبحث سقطت الأم في ذلك البئر الذي سقط فيه إبنها ميتاً. ولما رأته على هذه الحالة صرخت متشفعة بالسيدة العذراء أن تقيم إبنها من الموت. فأستجابت السيدة العذراء أم النور وأمرت ملاكين أن يناديا باسم الشاب، ولما سمع الشاب إسمه قام لوقته وكأنه كان نائماً. ففرحت الأم جداً ومجدت أسم الرب القدوس القادر على كل شئ والصانع العجائب بشفاعة أمه العذراء. وعادوا إلى منزلهم وهناك وجدوا البيت ملآن بكل الخيرات... ولما اطمأن الشاب على أمه تركها وجاء إلى الدير وترهب ثم صار رئيسا للدير.

كان أحد الفلاحين الذين يعلمون في زراعة الأرض بالخضروات بجوار منفلوط يكسب قوت يومه من بيع هذه الخضروات. فعندما سمع بتعمير الدير جاء ليقدم هذه الخضروات مجاناً إلى العمال الذين يعملون في الدير. وكان يحضر معه كل يوم سله مملوءة بالخضروات مثل الكرنب والقرنبيط والتفاح والفجل وغيرها من الخضروات للعمال.

وفي أحد الأيام وبينما هو يحمل سلّته ويجدّ في سيره ليصل إلى الدير في الوقت المناسب، قابله أحد الجنود راكباً على حصانه وطلب منه أن يعطيه جزء من الخضروات.

 فرفض الرجل المزراع أن يعطيه محذراً إياه بأن هذه الخضروات مخصصه للعاملين في تعمير الدير ولكن الجندي أخذ السلة كلها عنوة من المزراع ووضعها على حصانه ومضى. فصرخ الرجل المزارع منادياً السيدة العذراء أم النور لانقاذه. وما هى إلا لحظة أو تكاد حتى جاءت العذراء أم النور ومعها رؤساء الملائكة ميخائيل وغبريال... ويقع الجندي من على الحصان إلى الأرض وتعلقت رجلاه بالحصان، وينطلق الحصان بالجندي وهو على هذه الحالة حتى يصل إلى الدير ويراه كثير من الأهالي والعمال فاندهشوا وانبهروا لما رأوه ومجدوا الرب يسوع وأمه القديسة العذراء مريم التى تسرع في نجدة من يطلبها ولا ترضى على الظلم. 

ويندم الجندي على فعلته ويطلب أن يعمل في تعمير الدير مجاناً أما الرجل المزارع فإنه التحق بالدير وترهب. 

أثناء العمل في تعمير الدير. جاء رجل وثني من القوصية وأخذ لوح خشب مخصص لإستخدام البناء في الدير عنوة. فأخبروا البابا ثيؤفيلس بذلك فطمأنهم لأنه عرف بالروح أن لوح الخشب سيرجع إلى الدير وأن الرجل الوثني سيتم إنذاره وتبكيته على فعلته بمعجزة من معجزات العذراء التي كانت تتم باستمرار أثناء تعمير الدير. وبعد ثلاثة أيام فقد هذا الرجل الوثني بصره وأصبح لا يرى شئ فالتجأ إلى آلهته الوثنية لكي تشفيه ولكن لا طائل ولا فائدة من ذلك.

وأخيرا ذهب إلى طبيب مسيحي يدعى يوحنا، هذا الطبيب وضع الإنجيل المقدس على عيني ذلك الرجل الوثني وربطه بمنديل. ثم عاد الرجل إلى بيته. وفجأة سمع جيرانه أصوات صراخ وجلبة شديدة فهرولوا إليه ليعرفوا سبب ذلك فوجدوه قد شُفى فأخبروا الطبيب بما حدث. وقد رغب هذا الرجل الوثني أن يتعمد ويصير مسيحياً فأخذه إلى البابا ثيؤفيلس الذي عمده بعد أن تعهّد الرجل أن يعيد لوح الخشب مرة أخرى ففعل ثم جاء والتحق بالدير وصار راهباً.