الهروب إلى مصر

لقد كان هذا الحدث العجيب، أحد الأحداث التي ذكرها وحى الروح القدس في الأصحاح الثاني من انجيل القديس متى البشير، ليكون حدثا شاهدا على عظمة سر تدبير الإله المتجسد.

وارتبط حدث هروب العائلة المقدسة إلى مصر بحادثة قتل أطفال بيت لحم حيث إن كلاً من الحدثين كانا بسبب حنق هيرودس على الطفل يسوع، بعد أن علم من المجوس ـ الذين ارتجت مدينة أورشليم كلها عند سماع خبرهم ـ بتفاصيل رحلتهم وسبب مجيئهم الأمر الذي جعله ( أي هيرودس ) يخاف على ملكه من هذا المولود فأضمر له الشر، وسعى للتخلص من الطفل يسوع بشتى الطرق وأصبح هيرودس أداة في يد الشيطان ينفذ مآربه، ويخبرنا الإنجيل بأن هيرودس قد اتفق مع المجوس على أنه متى وجدوا الطفل يخبروه على مكانه ليذهب ويسجد له إلا أنهم لم يذعنوا لأمره ورجعوا إلى بلادهم من طريق آخر حسبما أوحى لهم في حلم وبعد أن وجدوا الطفل وسجدوا له وقدموا له هداياهم ، اغتاظ هيرودس وأمر بقتل أطفال بيت لحم وتخومها من ابن سنتين فما دون ... لاعتقاده أن الطفل يسوع سيكون واحداً منهم ... ولا عجب أن تسبق إرادة السماء الأمر الأرضي الزمني، لأن الرب الذي فوق الأزمان والأكوان أرسل ملاكه إلى يوسف في حلم قائلا " قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه " (مت 2 : 13 ).

لماذا الهروب؟

كانت الدعوة للهروب إلى مصر لا بدافع الخوف من هيرودس وإلا لذهبت العائلة المقدسة إلى أرض أبعد من مصر، وحاشا لصانع الخليقة ألا يجد وسيلة للنجاة من هيرودس سوى الهروب، فهو الله القادر على كل شئ ولو شاء إهلاك هيرودس لأهلكه وفي استطاعته أن يرسل جيوشاً من الملائكة وينزع العرش من مملكة هيرودس.

ولكن كان الهروب بناء على تدبيره الإلهي، ولكي يعلمنا نحن جنس البشر أموراً كثيرة. فهروبه من الشر أكد حقيقة تجسده وأنه صار إنساناً كاملاً لئلا يقول أحد إنه ليس إنسانا ً بل إلهاً (على حسب تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم).

وليعلمنا أن لا نقاوم الشر بل نحتمل الشدائد ولا نكل من الضيقات " إن تألمتم من أجل البر فطوباكم " (1 بط 3: 14).

وإن الرب لم يستخدم المعجزة لقضاء حاجاته بل جعلها لمنفعة الناس وخدمتهم. لقد بدأت رحلة العائلة المقدسة (الشيخ القديس يوسف النجار والعذراء مريم والطفل يسوع وسالومى التي تعهدت بخدمتهم طول الحياة) إلى مصر ليلاً وكانت رحلة شاقة لمسافة طويلة من بلاد فلسطين إلى مصر حيث كان الرحيل فيها على دابة. وتضيف إلى مشاق الرحلة، مصاعب الغربة في أرض غريبة حيث كانت تجربة ليوسف ومريم مع أنهما يعلمان تماما أن الله يستطيع أن يوفر عليهما مشقة السفر لكن إيمانهما المملوء بالحب لله أثمر بالطاعة الكاملة.

هذا فضلاً عن أن العائلة المقدسة لم تستقر في مكان واحد لكنها ظلت تنتقل من مكان إلى مكان في البلاد المصرية ... وكأن لكلمات الرب يسوع " للثعلب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" (مت 8 :20) والتي قالها أثناء كرازته انطبقت عليه حتى في طفولته!!

إن إرسالية السيد المسيح له المجد كانت كقول الرسول " إن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه" (2كو 5: 19) فأرسل ابنه إلى مصر ـ التي كانت مركز الوثنية في العالم ـ ليصالحها تحقيقا لنبؤة أشعياء النبي القائلة " هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر من وجهه ويذوب قلب مصر داخلها" (أشعياء 19: 1) وليخلصها ويتخذها له شعبا مباركاً كما جاء في النبوة القائلة " مبارك شعبى مصر “ (أشعياء 19 : 25 ).

ثم بعد ما تنتهي مدة بقائه في مصر حسب قصده الإلهي في خطة خلاص البشرية يرجع إلى إسرائيل ويتم بذلك ما قيل من الرب على لسان هوشع النبى " من مصر دعوت ابنى " (هوشع 11: 1)، (مت 2: 15). .